أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي
92
المفاخر العلية في المآثر الشاذلية
فصل في التدبير قال رحمه اللّه : من انقطع عن تدبيره إلى تدبير اللّه ، وعن اختياره إلى اختيار اللّه ، وعن نظره إلى نظر اللّه ، وعن مصالحه إلى علم اللّه لملازمة التسليم والرضا ، والتفويض والتوكل على اللّه ، فقد آتاه اللّه حسن اللب وعليه يترتب الذكر والفكر وما وراء ذلك من الخصائص . وقال رحمه اللّه لبعض أصحابه : رأيتك تكابد نفسك وتجاذب أمرك في مجاهدة نفسك ، فقلت لك : يا لكع بن لكع أعني بذلك نفسي في الأبوة وأعنيك في البنوة ، محقك التدبير حتى في اللقمة تأكلها وفي الشربة تشربها وفي الكلمة تقولها أو تتركها . أين أنت من المدبر العليم السميع البصير ، الحكيم الخبير ، جلّ جلاله وتقدست أسماؤه أن يشاركه غيره ، إن أردت أمرا تفعله أو أمرا تتركه فاهرب إلى اللّه من ذلك هروبك من النار ، ولا تستئن في شيء ، واضرع إلى اللّه ، وعوّد نفسك ذلك ، فإن ربك يخلق ما يشاء ويختار ومن يثبت لذلك إلا صديق أو ولي ؟ فالصديق من له الحكم ، والولي من لا حكم له فالصديق بحكم اللّه والولي يفنى عن كل شيء باللّه ، والعلماء يدبرون ويختارون وينظرون ويقيسون ، وهم مع عقولهم وأوصافهم دائمون ، والشهداء يكابدون ويجاهدون ، ويقاتلون فيقتلون ويقتلون ، ويحيون ويموتون ، وقد ثبت لهم الرب معنى وإن لم يثبت لهم حسا وجسما . وأما الصالحون فأجسادهم مقدسة وفي أسرارهم الكزازة والمنازعة ، ولا يصلح شرح حالهم إلا لصديق في ابتداء أمره أو ولي في نهايته ، فحسبك ما ظهر من صلاحهم واكتف عن شرح ما بطن من حالهم ، وإذا أردت أمرا تفعله أو أمر تتركه فاهرب إلى اللّه كما قلت لك ، واستصرخ باللّه وعوّد نفسك ذلك ، وقل : يا أول يا آخر يا ظاهر يا باطن أسألك بحق أسمائي بأسمائك وصفاتي بصفاتك وتدبيري بتدبيرك واختياري باختيارك ، وكن لي بما كنت به لأوليائك و أَدْخِلْنِي [ الإسراء : 80 ] في الأمور مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً [ الإسراء : 80 ] واحذر من سوء الظن باللّه فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [ آل عمران : 159 ] . وقال رحمه اللّه : رأيت كأني جالس مع رجل من أصحابي بين يدي أستاذي رحمه اللّه فقال : احفظ عني أربعة فصول : ثلاثة منها لك ، وواحدة منها لهذا المسكين : لا تختر من أمرك شيئا واختر أن لا تختار ، وفر من ذلك المختار ، ومن فرارك من كل شيء إلى اللّه وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ